→ العودة إلى المقالات
الدراسات الإسلامية

ظاهرة تطاول بعض ذوى شهادات العالمية وتشنيعهم على مخالفيهم من علماء ودعاة أهل السنة، بالباطل

ظاهرة تطاول بعض ذوى شهادات العالمية وتشنيعهم على مخالفيهم من علماء ودعاة أهل السنة، بالباطل :

**************************************************************************

تلاحظ لدىَّ ولدى كثيرٍ من المراقِبين والمحقِّقين في الآونَة الأخِيرةِ ، تَنَامى ظَاهرةِ تَطاوُلِ ذَوى شَهادَاتِ العَالميةِ المحسُوبةِ عَلَى الجِهَاتِ العِلمِيةِ الّرسْمِيةِ عَلَى عُلَمَاءِ ودُعَاةِ أهْلِ السُّنّةِ المشهُود لهم بالعِلمِ والاسْتِقَامةِ ونَشرِ التّوحِيدِ والسنَّة ومكَارمِ الأخْلاقِ ومعَالى القِيمِ ، والتشنيعِ علَيهِم بالزورِ والبُهتانِ ، وبالمجَافَاةِ لأدْنىِ القَواعِدِ العِلْميةِ في البيانِ بالحِوارِ والنِّقاشِ ، ونَعرِضُ فيمَا يلِى لأهَمِّ مَظَاهرِ هَذَا التَطاوِلِ الفَجِّ والتّشنيعِ بالبَاطِلَ عَلَى المخَالفِين :

======================

( 1 ) – اللجوء عند العجز عن مقارعة الحجة بالحجة إلى التطاول والطعن والتشنيع بالباطل على المخالفين :

===============================

فإذَا عَجَزَ هؤلاء عَن مُقَارَعةِ الحُجَّةِ بالحُجَّةِ ، لَجأوا إلَى هَذِه الأسَالِيبِ الخسِيسَةِ والحِيَلِ الرّخِيصَةِ ، فطَعنُوا عَلَى مخَالفِيهِم بالبَاطِلِ ، ونَسبُوا أنفِسهِم إلَى أهْلِ العلمِ لدَى الجِهَاتِ الدّرَاسِيةِ والعِلميِة النِّظامِيةِ كجَامِعةِ الأزْهَرِ ، وإن خالَفَ هذَا مَنهَجَ الأزْهرِ نفَسِه، ونَسبُوا مخَالفِيهم مِنْ أهْلِ العِلمِ إلى المِهنِ والحِرَفِ بغرضِ السُخرْيةِ مِنهُم، والحَطِّ مِنْ أقدَارِهم ، فيُقَالُ : هَذا مِيكَانِيكِى ، وهو في الحقيقة لم يبلغ عشر معشار علمه وفقهه، ويُقَالُ هَذَا سَاعَاتى ، وذَاكَ كذَا وكذَا، وكأنّ النِسبةَ إلى المهِنِ والحِرفِ سُبَّةٌ ونَقيصَةٌ ، وهَذَا مِنْ أخّسِ صُورِ الطّعنِ والتَجريحِ بالبَاطِلِ ، مِنْ وجْهَينِ :

---------------------------------------

الوجه الأول : الأصل عدم اتخاذ العلم والفقه حرفة أو مهنة للكسب والارتزاق :

-------------------------

أنَ ّالأصْلَ في كَسْبِ العُلَماءِ والفقَهاءِ وأهْلِ الفَضلِ والصّلاحِ هو عَدم اتخَاذِ العِلمِ مِهنَةً أو حِرْفَةً أو وَظيفَةً يُرتَزقُ مِنهَا، مَعَ إجَازَةِ العلماء – مجَرّد إجَازَة – أخْذَ الأجْرِ لمنْ حبَسَ نَفسَه عَلَى تَعلِيمِ العِلمِ والفِقهِ ، عَمَلاً بقَولِه تَعَالَى (يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [هود : 51]، وغَيرهَا منْ الآيَاتِ، والتِماسِ الكَسبِ الطّيبِ بالاشْتِغالِ بالحِرفِ والمهِنِ ، كمَا في قَولِه تَعَالَى عَنْ دَاودَ عَلَيه السّلاَم (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُون) [الأنبياء : 80] .

وعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ المِقْدَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، قَال َ: " مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ " رواه البخارى في صحيحه .

وعَنْ وَائِلٍ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، قَالَ : قِيلَ : " يَا رَسُولَ اللهِ ، أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ ؟

قَالَ : عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ ، وكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ " رواه أحمد فى مسنده (4/ 141) ، والبزار فى مسنده (2/ 55) ، والطبرانى فى المعجم الأوسط (8/ 47) ، والبيهقى في شعب الإيمان (2/ 85) ، وابن أبى الدنيا فى إصلاح المال (ص : 95) ، وابن الأعرابى في معجمه (3/ 1125) ٍ، والحاكم في المستدرك (2/ 13) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 2 / 160 ) ، وحسنه لغيره شعيب الأرنؤوط .

" بَيْعٍ مَبْرُورٍ " المبرور : الذي لا يخالطُه شَيءٌ منْ المآثِم .

وعَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ حَمٍّ ، عَنْ نُصَيْرِ بْنِ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَامُهُ ، كَانَ يَخْرُجُ مُتَنَكِّرًا ، فَيَسْأَلُ عَنْ سِيرَتِهِ مَنْ يَرَاهُ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ ، فَتَعَرَّضَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى صُورَةِ آدَمِيٍّ ، فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " يَا فَتَى مَا تَقُولُ فِي دَاوُدَ ؟

فَقَالَ : نِعْمَ الْعَبْدُ هُوَ ، غَيْرَ أَنَّ فِيهِ خَصْلَةً .

قَالَ : ومَا هِيَ ؟

قَالَ : يَأْكُلُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ، ومَا فِي الْعِبَادِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَبْدٍ يَأْكُلُ مِنْ كَدِّ يَدِهِ .

فَعَادَ إِلَى مِحْرَابِهِ بَاكِيًا مُتَضَرِّعًا ، يَقُولُ : يَا رَبُّ عَلِّمْنِي صَنْعَةً ، أَعْمَلُهَا بِيَدِي تُغْنِينِي بِهَا عَنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ، فَعَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى صَنْعَةَ الدُّرُوعِ ، وأَلَانَ لَهُ الْحَدِيدَ ، حَتَّى كَانَ فِي يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَجِينِ .

وكَانَ إِذَا تَفَرَّغَ مِنَ الْقَضَاءِ وحَوَائِجِ أَهْلِهِ ، عَمِلَ دِرْعًا فَبَاعَهَا ، وعَاشَ هُوَ وعِيَالُهُ بِثَمَنِهَا " .

وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ) سورة سبأ آية ، ( وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ) سورة الأنبياء آية ، يَعْنِي لِتَحْفَظَكُمْ مِنْ حَرْبِكُمْ . رواه السمرقندى في تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين (ص : 450) ، وابن أبى اليُمن الحنفى فى لسان الحكام في معرفة الأحكام (ص : 393) .

يعنى يصنَعُ الدّرعَ منْ الحديدِ، يَلبسُه المَحاربُ لتَقيهِ مِن ضَربَاتِ العَدو.

وعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، قَالَ : " كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّارًا " رواه مسلم في صحيحه .

وعن عَمْرُو بْنِ يَحْيَى ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَالَ : " مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ .

فَقَالَ أَصْحَابُهُ : وأَنْتَ ؟

فَقَالَ : نَعَمْ ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ " رواه البخارى في صحيحه .

وعَن مَعْمَرٍ، عَن رَجُلٍ، مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ قَالَ: دَخَلَ قَوْمٌ عَلَى سَلْمَانَ {يعنى الفارسى} وهُوَ أَمِيرٌ بِالمَدَائِنِ، وهُوَ يَعْمَلُ هَذَا الْخُوصَ، فَقِيلَ لَهُ : أَتَعْمَلُ هَذَا وأَنْتَ أَمِيرٌ؟ وهُوَ يُجْرِي عَلَيْكَ رِزْقٌ ؟

قَالَ : " إِنِّي أُحِبُّ أَنْ آكُلَ مِنْ عَمِلِ يَدِي " رواه عبد الرزاق في مصنفه - العلمية (8/ 327).

----------------------------------------------------------------

الوجه الثانى : ذم الشرع ووعيده لمن تطاول وزعم بأن بأنه الأقرأ والأعلم والأفقه :

---------------------------

عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ ابْنَةِ الْهَادِي ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّمَ ، يَقُولُ : " لَيَظْهَرَنَّ الدِّينُ حَتَّى يُجَاوِزَ الْبَحْرَ ، وحَتَّى تُخَاضَ الْبِحَارُ بِالْخَيْلِ فِي سَبِيلِ اللهِ ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ ، يَقُولُونَ : مَنْ أَقْرَأُ مِنَّا ؟ مَنْ أَعْلَمُ مِنَّا ؟ ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّمَ.

فَقَالَ : هَلْ فِي أُولَئِكَ مِنْ خَيْرٍ ؟

قَالُوا : لاَ ، قَالَ : أُولَئِكَ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ ، أُولَئِكَ وَقُودُ النَّارِ " رواه البزار في مسنده (1/ 230)، وأبو يعلى في مسنده (12/ 56)، وابن المبارك في الزهد (ص : 152)، وإسماعيل الأصبهانى في الترغيب والترهيب لقوام السنة (3/ 104)، وأبو نعيم في دلائل النبوة {8 رسائل} (ص : 1489)، وحسنه لغيره الألبانى في صحيح الترغيب والترهيب (1/ 166) ، وحسنه د عامر الحسينى في الكامل في السنن (ص : 10716).

وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّائِغُ، قَالَ : نا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْعُمَرِيُّ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : " يَظْهَرُ الْإِسْلَامُ حَتَّى يَخْتَلِفَ التُّجَّارُ فِي الْبَحْرِ، وحَتَّى تَخُوضَ الْخَيْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، يَقُولُونَ: مَنْ أَقْرَأُ مِنَّا؟ مَنْ أَفْقَهُ مِنَّا؟ مَنْ أَعْلَمُ مِنَّا؟ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : هَلْ فِي أُولَئِكَ مِنْ خَيْرٍ؟

قَالُوا : اللَّهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ : أُولَئِكَ مِنْكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودِ النَّارِ " رواه الطبرانى في المعجم الأوسط (6/ 221)، حسنه لغيره الألبانى في صحيح الترغيب والترهيب (1/ 32)، وحسنه الشحود في موسوعة السنة النبوية (ص : 5520).

=====================================================================

( 2 ) - تجريحهم للدعاة والعلماء من جهة مصدر علمهم بأنهم لم يدرسوا كذا وكذا في جهة علمية نظامية كالأزهر:

================================

وهَل عَرَفَ الإسْلامُ طَبقَةَ رِجالِ الدِّينِ والكَهنُوتِ الّتي تَحتَكرِ التّفسِيرَ والعِلمَ والفِقهَ، وتَصدِرُ الأحْكَامَ بالتّبدِيعِ والتّضلِيلِ والهَرْطَقةِ عَلَى المخَالِفين ؟

وهَل دَرَسَ أحَدٌ في الأزْهرِ منْ أئِمّةِ السّلفِ محَلّ الأسْوةِ والقُدوَةِ والاتبَاعِ، خَير القُرونِ بَعدَ قرْنِ الصّحَابةِ ،حَيثُ ظَهرَت المدَارِسُ الكُبرَى في الفقهِ وأصُولِه ، وأسِّسَت أصُولُ المذَاهبِ الكُبرَى ، وفى مُقَدِّمتِهَا المذَاهِب الأرْبعَة ، وجُهوُد تَدوين الحَديثِ والسُّنةِ النَبويَةِ ، وتَدوينِ العُلومِ الشّرعِيةِ، كأبى حنيفة النعمان تـــــ 150 ه ، والأوزاعى تـــــ 157 ه، وسفيان الثورى تـــــ 161 ه، والليث بن سعد تـــــ 175 ه، ومالك بن أنس إمام أهل المدينة والحرم المدنى تـــــ 179 ه ، عبد الله بن المبارك تـــــ 181 ه، وسفيان بن عيينة محدث الحرم المكى تـــــ تـــــ 198 ه، ومحمد بن إدريس الشافعى تـــــ 204 ه، ويحيى بن معين تـــــ 233 ه ، وإسحاق بن راهويه تـــــ 238 ه، وأحمد بن حنبل تـــــ 241 ه.

ومحمد بن إسماعيل البخارى تـــــ 256 ه ، ومسلم بن الحجاج تـــــ 261 ه، وابن ماجة القزوينى تـــــ 273 ه، وأبو داود السجستانى تـــــ 275 ه ، والترمذى تـــــ 279 ه ، والنسائى تــــ 303 ه.

====================================================

( 3 ) – لم يعصمهم انتمائهم إلى جهات علمية نظامية كالأزهر ، من الدفاع عن أهل البدع والأهواء من أصحاب الفرق أو الطرق :

=============

فقَدْ استَحَلّ بَعضُهم تَقديمَ الكَشفَ والمنَامَاتِ عَلَى النّصُوصِ الشّرعِيةِ الثّابتَةِ، ودُعَاءِ الأمْواتِ مِن دُونِ اللهِ ممّن يُزعَم أنّهم أوْليَاء (كالبَدوىِ وهُو في حَقيقَته شِيعىٌّ بَاطِنىٌّ لا يصَلّى الجَمَاعَةَ ولا الجُمعَةَ مَعَ أهْلِ السُّنّةِ ) ، وذلكَ مُجَافَاةً للتّوحِيدِ الخَالصِ ، ونِسبَةِ بَعضِ أفعَالِ وصِفَاتِ الرّبوبِيةِ لغَيرِ اللهِ، لتَفرِيجِ الكُرَبِ وقَضَاءِ الحَوَائجِ وشِفَاءِ المرْضَى ونَحوَ ذَلِك، ودَافَعَ بَعضُهم عَنْ رُموزِ التّصَوفِ الفَلْسَفِى الإلحَادِى القَائلِين بعقَائدِ الحُلولِ والاتّحَادِ ووَحدَةِ الوُجُودِ ( الزّعْمُ بأنّ الوجُودَ هو عَينُ الوجُودِ الإلَهى )، كابْنِ عَربِى والحَلاجِ وابْنِ الفَارِضِ وابنِ سَبعِين !!

ودَافَعَ أحَدُ المتَطاولِين بالبَاطِلِ والزّاعِمينَ زُورَا بأنّهم الأعْلَم والأفْقَه لمجَرّدِ انتَسَابهِم لهذِه الجِهَةِ العلمِيةِ النّظَاميَةِ عَن مَلَالى طَهرَان ، وسَخَّرَ لِسَانَه وفِكْرَه والمنَصَّةَ الإعْلَامِيةَ الّتي تَسْتضِيفُه للدِّفَاعِ عِنْ مُرشِدِهم خَامِنئى بأنّه أصْدَرَ فتْوَى بتَحْريمِ سَبِّ الصّحَابَةِ وعَائِشةِ ، وكأنّه بذَلِكَ قَدْ فَعلَ هُو ومَنْ تَبِعَه مَا فِيه الكِفَايَة لغَسلِ أيْدِيهِم مِنْ ضَلَالَةِ السّبّ والطَّعْنِ عَلَى الصَّحَابَة وأمّهَات المؤمِنينَ ، فبمُوجَبِ الفَتوَى الصّادِرَة في اكتُوبَر 2010 " يَحرُم الإسَاءَة لعَائِشَة أو النَيلِ مِنْ رمُوزِ أهْلِ السّنّةِ والجَمَاعَةِ " دُونَ تَحديدِ لمَاهِيةِ هَذِه الرّمُوزِ ، هلْ تَشمَلُ الصّحَابَةَ وأئِمّةَ السّلَفِ، أمْ مِنْ تَبعَهُم مِن أهْلِ السّنّةِ في القُرونِ اللاحِقِةِ، كعَادَتهِم في التّقِيّةِ.

ولَكِن لَم تَكُن الفَتوَى لتُغَيِّر حَقيقَةَ اعتِقَادِ الطّعْنِ عَلَى الصّحَابَةِ وأمّهَاتِ المؤمِنينِ وسَبِّهم، واعْتقَادِ تحْريفِ القُرآنِ، وعَقيدَةِ الرّجْعَةِ بِاعتِقَادِ رجُوعِ أئمّتِهم بَعدَ مَوتِهم عَندَ ظُهورِ المهْدِى ورُجوعِ الخُلَفاءِ المسْلِمِين الّذِينَ اغْتَصبُوا الخِلاَفَةَ بَعدَ مَوتِهم كَذَلِك ، وقِصَاصُ الأئِمّةِ مِنهُم ، والإعْرَاب عَنْ عَزمِ قَائِمِهم ومهْدِيهِم عَلَى هَدْمِ المسْجِدِ الحَرَامِ والمسْجِدِ النَّبَوى ، وغَيرها مِن العَقَائدِ الضّالّةِ المفْرِطَة في الغُلوِ والعَدَاءِ لأهْلِ السُّنّةِ، والّتي مَا زَالَت مَوجودَةً ومُقَرّرَةً بمصَادرِهم ومَراجِعهِم الشّيعِيةِ المعْتَمَدَةُ لَدَيهِم ، وتَطْفَحُ بالإفْصَاحِ عَنهَا حَناجِرُ وألسِنَةُ المعمّمِّينَ جِهَارَا نَهارَا !!

======================================================

( 4 ) – التجاوز في حق رمز أئمة أهل السنة في الوقت الذى يُدافَعُ فيه عن الملالى :

==============

فنجِدُ أحَدَ المتَطاوِلينَ بالبَاطِلِ يتّهِمُ شَيخَ الإسْلاَمِ ابنَ تَيمِية إمَامَ الأئِمّة في عَصْرِه ومَا تَلاه مِنْ عُصورٍ في مَقَطعٍ مشاَهَدٍ بمَا ادّعَاه وأسْمَاه بـــ " الشذُوذِ الفِكرِى " ، مَعَ أنّه لَم يُعرَف للإمَامِ فِكرٌ بالمعْنَى المسْتَحْدَث، وإنّما هي أقْوَال وآرَاء وفَتَاوَى قَائِمَة عَلَى اسْتِدلَالٍ شَرعِى، ومَنهَج بَحثٍ عَلْمِى سُّنّى ، ونَظَرٌ فِقهِى وَفقَ قَواعِد مَنهَجِ البَحثِ فى أصُول الفِقهِ، ومقَارَعَة الحَجَّةِ بالحُجَّةِ ، ومِنْ الحِكَم المشْهورَة " إذَا كَانَ بيتُكَ مِنْ زُجَاجٍ، فلا تَقْذفهم بالِحجَارة " ، فَلا يُعرَف في مِصرَ أكْثَرَ شذوذا مِنْ هَذا الزَاعِمِ ، حِينَمَا اتهمَ في أحَدِ المقَاطِعِ المشَاهَدَةِ بالصوتِ والصّورَةِ خِلافَة الخُلَفَاءِ الرّاشِدينَ الأرْبَعَةِ بأنَّها " انتُزِعَت مِنْ عَلِىٍّ رَضِىَ اللهُ عَنه انتِزَاعَا ، ووصَفَ عَمَليةَ الاسْتِخْلَافِ بأنَّها " أمُورٌ دُبِّرَت بلَيلٍ "، وهو مَا سَنَعرِضُ بالرّدِّ عَلِيه في نِهَايَةِ هَذا المنْشُورِ.

ومن سمح لنفسه الطعن على علم أعلام أهل السنة وشيخ الاسلام ابن تيمية ، فليس بمستغرب أن يسىء الى رمز علمى معاصر مشهود له بالعلم والفقه والورع والزهد، وهو العلامة ابن باز رحمه الله ، امام عصره ، وفقيه زمانه، ولم يتورع هذا الطاعن فى التطاول الخسيس على هذا الرمز ، ودون مراعاة لأنى خلق أو قيم، ووصفه أعمى البصيرة، وأنه لم يقرأ القرآن، وأنه كال٠٠ يحمل أسفارا، أعمى الله بصرك أيها الطعان البذىء !!

نعود للإمَامُ ابنُ تَيمِية الذى لَم يَكُن عَاِلمَاً وفقيها عَادِيَاً ، ولكِنّه كَانَ إمَامَا عَلَمَاً مِنْ أعْلَامِ أئِمّةِ أهلِ السّنّةِ، ومَنارَا مِنْ مَنَارَاتِ الهِدَايةِ فِيهَا، كَانَ فَريدَ عَصرِه، ووحِيدَ دَهرِه، بحَرَ العُلومِ، وشَيخَ الإسْلامِ، بقِيةَ السّلَفِ، وقُدوَةَ الخَلَفِ، أثنَى عَليْه كِبَارُ الأئمّةِ والحُفَّاظُ.

فقال فيه الإمام الحافظ المزى شيخ المحدثين وإمام الجرح والتعديل : مَا رَأَيْتُ مثلَه، ولَا رَأى هُوَ مثلَ نَفسِه، ومَا رَأَيْتُ أحَدَا أعْلَمُ بِكِتَاب اللهِ وسُنّةِ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَا أتْبَعَ لَهمَا مِنْهُ. الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقى (ص : 128، 129).

وقال فيه القاضي تقى الدين ابن دقيق العيد : لما اجْتمعت بِابْن تَيْمِية، رَأَيْت رجلا الْعُلُوم كلهَا بَين عَيْنَيْهِ، يَأْخُذ مِنْهَا مَا يُرِيد ويدع مَا يُرِيد. الرد الوافر (ص : 59).

وقال فيه الإمام الحافظ ابنُ سَيدِ الناسِ اليعمرى : فَأَلْفَيْته مِمَّن أدْرك من الْعُلُوم حَظاً، وكَادَ أَنْ يِستَوعِبَ السّنَن والْآثَار حِفظَاً، إِنْ تَكلم فِي التَّفْسِير فَهُوَ حَامِل رايته، أَو أفتى فِي الْفِقْه فَهُوَ مُدرِك غَايَته، أَو ذَاكر فِي الحَدِيث فَهُوَ صَاحِب عِلمِه وذُو رِوَايَته، أَو حَاضَر بالمِللِ والنّحَلِ لم يُر أوسَعَ منْ نِحلَتِه فِي ذَلِك، ولَا أرفعَ منْ دِرَايتِه، برزَ فِي كلِّ فنٍّ علَى أَبنَاءِ جِنسِه، وَلم تَرَ عَينُ مَنْ رَآهُ مِثلَه، ولَا رَأَتْ عَينُه مِثلَ نَفسِه. الرد الوافر (ص : 26).

وقال فيه الإمام الحافظ الذهبى : وَكَانَ يتَوقّدُ ذَكاءً، وسَمَاعَاتُه مِنْ الحَدِيث كَثِيرَة، وشيوخه أَكثر من مِائَتي شيخ، ومَعرفتُه بالتَفسيرِ إِلَيْهَا الْمُنْتَهى، وحِفظُه للْحَدِيثِ ورِجَاله وصِحَّتِه وسِقَمِه فَمَا يُلْحَقُ فِيهِ.

وأمّا نَقلُه للفِقهِ ومَذاهِبِ الصَّحَابَة والتَّابِعِينَ، فضْلَاً عَنْ الْمذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ نَظِير.

وأما مَعْرفَتُه بالمِلَلِ والنِّحَلِ والْأُصُولِ والْكَلَامِ، فَلَا أعْلَمُ لَهُ فِيهِ نَظيرَاً.

ويَدْرِي جُملَة صَالِحَة من اللُّغَة، وعَرَبِيّتُه قَوِيَّةٌ جِدّاً.

ومَعرِفَتُه بالتّاريخِ والسِّيرِ، فَعَجَبٌ عَجِيبٌ.

وأما شَجَاعَتُه وجِهَادُه وإقدَامُه، فَأمر يتَجَاوَز الْوَصْفَ، ويفُوقُ النَّعْتَ.

وهُوَ أحَدُ الأجْوَادِ الأسْخِيَاءِ الَّذِينَ يُضْرَبُ بهِم الْمَثلُ، وفِيه زُهدٌ وقَناعَةٌ باليَسيرِ فِي المأكِلِ والملْبَسِ . العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية لابن عبد الهادى (ص : 39).

وقال فيه أيضا : فَإِن ذكر التَّفْسِير فَهُوَ حَامِل لِوائه، وإِن عُدَّ الْفُقَهَاءُ، فَهُوَ مُجتَهِدُهم الْمُطلَق، وإِنْ حَضَرَ الْحُفَّاظُ، نَطقَ وخَرَسُوا، وسَرَدَ وأبْلَسُوا، واسْتغْنى وأفْلَسُوا، وإِن سُمِّيَ المتَكَلِّمونَ، فَهُوَ فَردُهم، وإِلَيْهِ مَرجِعُهم، وإِن لَاحَ ابْنُ سِينَا يَقدُم الفَلاسِفَةَ، فَلَّهُم وتيَّسَهم، وهَتَكَ أسْتَارَهم، وكَشَفَ عَوارَهُم . العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ص : 40).

وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي مَوضِع آخر وقد ذكر الشَّيْخ رَحمَه الله :كَانَ آيَة فِي الذكاء وَسُرْعَة الْإِدْرَاك، رَأْسا فِي معرفَة الْكتاب وَالسّنة وَالِاخْتِلَاف، بحرَا فِي النّقلِياتِ، هُوَ فِي زَمَانه فَريدُ عَصرِه عِلْمَا وزُهدَا وشَجَاعَة وسَخَاءً وأمْرَا بِالْمَعْرُوفِ ونهيَا عَن الْمُنكَرِ. العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (ص : 39).

وقال أيضا : هُوَ الشَّيْخ الرباني إِمَام الْأَئِمَّة، ومفتي الْأمة، وبحر الْعُلُوم، سيد الْحفاظ، وفَارِس الْمعَانِي والألفاظ، فريد الْعَصْر، وحيد الدَّهْر، شيخ الإسلام، بركَة الانام، عَلامَة الزَّمَان، وترجمان الْقُرْآن، عَلَم الزُّهّادِ، وأوحد الْعُبَّادِ، قامع المبتدعين، وآخر الْمُجْتَهدين، تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن الشَّيْخ الامام الْعَلامَة شهَاب الدّين أبي المحاسن عبد الْحَلِيم ابْن الشَّيْخ الامام الْعَلامَة شيخ الاسلام مجد الدّين أبي البركات عبد السَّلَام ابْن أبي مُحَمَّد عبد الله ابْن أبي الْقَاسِم الْخضر بن مُحَمَّد بن الْخضر بن عَليّ بن عبد الله ابْن تَيْمِية الْحَرَّانِي نزيل دمشق وصَاحب التصانيف الَّتِي لم يسْبق إِلَى مثلهَا، ولَا يلْحق فِي شَكلِها توحيدَا أَو تَفْسِيرا وإخْلاصَا وفِقهَا وحَديثَا ولُغَة ونَحوا. الرد الوافر (ص : 30)

وقال فيه الشيخ كمال الدين بن الزملكانى – وكان يناظره - : قَالَ مرّة عَن الشَّيْخ تَقِيّ الدّين :كَانَ إِذا سُئِلَ عَن فن مِن الْعِلمِ، ظن الرَّائِي وَالسَّامِع أنّه لَا يَعرِفُ غَيرَ ذَلِك الْفَنّ، وحَكَمَ أَنّ أحَدَاً لَا يَعرِفُ مِثلَه . الرد الوافر (ص : 56).

وكتب الشَّيْخ كَمَال الدّين ابْن الزملكاني على كتاب " بَيَان الدَّلِيل على بطلَان التَّحْلِيل " تأليف ابْن تَيْمِية، وهُوَ مَا نَصه : مِنْ مصَنّفَاتِ [سَيّدِنَا] وشَيخنَا وقدوَتِنا، الشَّيْخِ الإِمَامِ الْعَالمِ الْعَلّامَةِ الأوحَدِ البَارعِ الْحَافِظ الزَّاهِدِ الْوَرِعِ الْقدْوَةِ الْكَامِلِ الْعَارِفِ، تَقِيّ الدّينِ شيخِ الْإِسْلَامِ سَيدِ الْعلمَاءِ، قُدوَةِ الْأَئِمَّة الْفُضَلَاءِ نَاصِرِ السّنةِ قامِعِ الْبِدْعَةِ، حُجَّةِ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ، رَادِّ أهْلِ الزّيغِ والعِنَادِ، أوحَدِ الْعلمَاءِ العَامِلين، آخِرِ الْمُجْتَهدين، أبي الْعَبَّاس احْمَد بن عبد الْحَلِيم بن عبد السَّلَام ابْن عبد الله ابْن أبي الْقَاسِم بن مُحَمَّد ابْن تَيْمِية الْحَرَّانِي حفظ الله. الرد الوافر (ص : 56) .

وفوق كل ذلك كان شهما ، كَانَ قَاضِي الْمَالِكِيَّةِ ابْنُ مَخْلُوفٍ يَقُولُ : مَا رَأَيْنَا مِثْلَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، حَرَّضْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، وقَدَرَ عَلَيْنَا، فَصَفَحَ عَنَّا، وحَاجَجَ عَنَّا. البداية والنهاية ط إحياء التراث (14/ 61) .

=======================================================

( 5 ) – إن النبوة المتبوعة بالخلافة الراشدة في القرن الخيرى الأول، إنما هو إرادة إلهية وإخراج ربانى ليس لأحد الاستدراك عليه أو التعقيب :

==================

وهذَا مُقَررٌ كحَقيقَةِ قرآنِيةٍ لَا تَقبلُ الرّدَّ ، ولا تَحتَمِلُ الشّكَّ، إلا عِندَ مَنْ أضَلَّهُم اتبَاعُ الهَوَى، واستَولَت عَلَى عُقولِهِم نُقولُ أهْلِ الدَّجَلِ والخُرَافَة، وأعْمَت بصَائِرَهُم أكْذَبُ رِوايَاتِ أئمّة الضَلالِ كَيدَا للإسْلَامِ وأهْلِه، وعَمَدوا إلَى اسْتِلاِب الأمَّةِ دِينِها وحَضَارَتِها، ونَقَمُوا عًلَيهَا خَيرِيتِها وتَكرِيمِها في العَالمَين ، قَالَ تَعَالَى ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران : 110].

وقَالَ تَعَالَى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة : 143].

وعَنْ شُعْبَةَ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، حَدَّثَنَا زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ، قَالَ : سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قَالَ : " خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قَالَ عِمْرَانُ : لاَ أَدْرِي : ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا بَعْدَ قَرْنِهِ - ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ، يَنْذِرُونَ ولاَ يَفُونَ، ويَخُونُونَ ولاَ يُؤْتَمَنُونَ، ويَشْهَدُونَ ولاَ يُسْتَشْهَدُونَ، ويَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ " رواه البخارى ومسلم في صحيحيهما .

وعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، - وعَنْ يَزِيدِ بْنِ هَارُونَ - ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قَالَ : " أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ " رواه أحمد في مسنده (4/ 447)، والطبرانى في المعجم الكبير (19/ 424)، وعبد بن حميد في مسنده (ص : 155)، والبيهقى في السنن الكبرى (9/ 5)، والحاكم في المستدرك (4/ 94)، وحسن إسناده شعيب الأرنووط، وحسنه الوادعى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (2/ 181).

فأبُو بَكرٍ رَضِىَ اللهُ عنْه، والّذِى قَضَى اللهُ أنْ يَكونَ أوَّلَ خَليفَةٍ راشِدٍ للرّسولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لَم يَكُنْ حَريصَا عَلَى تَولِّى الخِلَافَة ، بَلْ كَانَ مَشغُولَاً آنذَاكَ مَعَ عَلِىٍّ بنِ أبِى طَالِبِ رَضِىَ اللهُ عَنْه بجهَازِ النَّبىِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعدَ أن وَافَتُه المنِيّة، ولَم يِكنْ يَصرِفُه صَارِفٌ عَنْ ذَلِكَ مَهمَا بَلَغَت الحَاجَةُ إلَيْه !!

ولَكِنَّ مَا حَدَثَ هو أنَّ الأمْرَ تخَطّى مُستَوى الحَاجَةِ الممُكِن تَدَراكهَا بَعدَ وقُوعِهَا إلَى مُستَوى الضّرورَةِ المتَحَتِّم َتدَراكهَا قَبلَ وقُوعِهَا، فاسْتُدْعِىَ للحُضورِ اسْتِدْعَاءً، واضْطُرَّ اضْطِرارَا، للحُوقِ باجْتِمَاعِ سَقيفَةِ بَنِى سَاعِدَة الّتي تَشْهَد أحْدَاثَ وقُوعِ أمْرٍ جَلَلَ يَتقَرّرُ فِيه أمْرُ الأمّةِ جَميعَا، والمتَحِتَّم عَلِى إِثْرِه شَقِّ صَفِّهَا، وتَفْرِيقُ جَمعِهَا ، وهُو اجْتِماَعُ الأنْصَارِ وحَدَهُم في سَقيفَةِ بَنِى سَاعِدَةِ لاسْتِخْلافِ سَعدِ بنِ عُبَادَةَ دُونَ مُشَارَكَةِ المهَاجِرينَ القُرَشيِين، فاسْتَدعَاه عُمَرُ رَضِىَ اللهُ عَنه، وعَزَمَ عَلَيْه بالحُضُورِ العَاجِلِ، لتَدارِكِ الأمْرِ قَبلَ تَمامِ وقُوعِه وفَرْضِه كحَقيقَةٍ واقِعَةٍ لهَا تَدَاعِيَاتهَا الخَطيرَةِ عَلَى وحْدَةِ صَفِّ الأمَّةِ ومَصيرِهَا !!.

فقد روى عَبدُ اللهِ بنُ عَبدِ الرّحْمَن بنُ أبي عَمْرَة الأنصَارِيِّ، أنَّ النَّبيَّ لمَّا قُبِضَ، اجْتَمَعَت الأنْصَارُ في سَقيفَةِ بَني سَاعِدَة، فقَالُوا : نُوَلّي هَذَا الأمْرَ بَعدَ مُحَمَّدٍ عَلَيْه السَّلامُ سَعدَ بْنَ عُبَادَة ... نُوَلِّيكَ هَذَا الْأَمْرَ، فإنَّكَ فِينَا مَقْنَعٌ، ولصَالحِ المُؤمِنينَ رِضَاً، ثُمَّ إِنَّهُمْ تَرَادُّوا الْكَلَامَ بَينَهُم، فَقَالُوا : وإنْ أبَتْ مُهَاجِرَةُ قُرَيش، وقَالُوا : نَحْنُ الْمُهَاجِرُونَ وصَحَابَةُ رَسولِ اللهِ الأوّلُون، ونَحْنُ عَشيرَتُه وأوْليَاؤُه، فعَلامَ تُنَازِعُوننَا هَذَا الأمْرَ بَعدَه.

فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : فَإِنَّا نَقُولُ : مِنَّا أَمِيرٌ ومِنْكُمْ أَمِيرٌ، ولَنْ نَرْضَى بِدُونِ هَذَا الأمر أَبَدًا.

فَقَالَ سَعْدٌ بنُ عُبًادَة حِينَ سَمِعَهَا : هَذَا أَوَّلُ الْوَهَنِ.

وأتَى عُمَرَ الخَبرُ، فأقبَلَ إلى مَنزِلِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فأرْسَلَ إلى أبِي بَكْرٍ، وأبُو بَكرٍ في الدَّارِ وعَلِيُّ بنُ أبي طَالِبٍ عَلَيه السَّلامُ دَائِبٌ في جِهَازِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَأَرْسَلَ إلى أِبي بَكْرٍ : أَنِ اخْرُجْ إِلَيَّ.

فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ : إِنِّي مُشْتَغِلٌ .

فأرْسَلَ إلَيْه أنَّه : قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ لَابُدَّ لَكَ مِنْ حُضُورِهِ.

فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فقَالَ : أمَا عَلِمْتَ أنَّ الأنْصَارَ قَدْ اجْتَمعَت في سَقيفَةِ بَني سَاعِدَة، يُريدُونَ أنْ يُوَلُّوا هَذَا الأمْرَ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ، وأحْسَنُهُم مَقَالَة مَنْ يَقُولُ : مِنَّا أَمِيرٌ ومِنْ قُرَيشٍ أَمِيرٌ.

فَمَضَيَا مُسْرِعِينَ نَحْوَهُمْ ..0 " الرواية بطولها في تاريخ الطبرى : ج2 ص241 – 243 ، الكامل فى التاريخ : ج2 ص191 - 194 .

فمتى وأين كان التدبير بليل الذى ادعاه هذا المدعى بالإفك والطاعن بالباطل على خير هذه الأمة بعد نبيها وسائر الخلفاء الراشدين بعده ؟