هاجر المصرية الأصيلة مؤسسة أعظم أسرة طيبة في التاريخ ، ونواشز تفكيك الأسرة المصرية المعاصرة :
************************************************************************************************************
فى قِصَّةِ هَاجَر المصْريةُ الأصِيلَةُ عَلَيهَا السَّلامُ كمَا رواهَا الإمَامُ البُخَارىُّ في صَحيحِه ، مَشهدَان رَئيسِيان في تَأسيسِ الأسْرِ نُواة المجْتَمعَات والأمِمِ ، لا تَفكيكِهَا :
================================================
المشهد الأول من القصة : ترك إبراهيم لهاجر ووليدها في وادى مكة بلا أنيس ولا مؤنة :
==============================================
عَنْ مَعْمَرِ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " .. أُمِّ إِسْمَاعِيلَ .. جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ البَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ، فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى المَسْجِدِ، ولَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، ولَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، ووَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا {أى أدَارَ وجْهَه رَاجِعَاً}.
فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ : يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وتَتْرُكُنَا بِهَذَا الوَادِي، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ ولاَ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وجَعَلَ لاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا.
فَقَالَتْ لَهُ : آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟
قَالَ نَعَمْ.
قَالَتْ : إِذَنْ لاَ يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ.
فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ، حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لاَ يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ، ورَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ : رَبِّ (إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ) [إبراهيم : 37]- حَتَّى بَلَغَ – (يَشْكُرُونَ) [إبراهيم : 37] ".
*** والمستفَادُ مِن ذِلِك ، أَنَّ هاجَرُ المصريةُ الأصيلًةُ عَلَيهَا السّلامُ لم تتبرم مِن صَنيعِ زَوجِهَا ، ولم تتهمُه بتركهَا وابنَهَا بلا أنيسٍ ولا زَرعٍ ولا مَاء ، ولم تتهمَه بأنّه ضَيعَ حقوقَ زَوجَتِه المرْضِع ، أو أنّه ضيَّع حقوقَ الطفلَ الوليدَ !!!
لم تنتَهز هاجَرُ المصْريَةُ الأصِيلَةُ فرصَة غِيَابِ زوجَهَا غير المقيم معهما ، لتُبَغِّض ابنَها إسْمَاعيلَ في أبيه لأجْلِ صَنيعِه هذَا ، ولمْ تُسمِّمْ أفْكَارَه حيالَ أبيه : لم تزِنّ على سمعِه أنّ أبَاكَ تَركنَا هكَذا بَلا أنيسٍ ولَا مُؤنة ولا شَيء ولا مصروفاتِ البيتِ ، لم تلقِ في رَوعِ ابنِها أنّ أبَاكَ يَكرَهُك ويَبغَضُك ، ولَا يَهتَم بأمْرِك ، ولا يبغى مصلَحَتك ، ولا يَصلُح أنْ يَكونَ أبَاً ولَا ربَّ أسْرَة ، وعَلَيْك أنْ تَسمَعَ لأمِّكَ اللى خايفة عليك ، وتَعصِى أبَاكَ مبغضَك ومُهمِلَك !
لم تَسعَ هَاجَرُ المصريةُ الأصيلَةُ لحِرمَانِ أبي ابنِها بعدَ ذَلِك - كما تحكى الرواية الصحيحة - مِن زِيارَةِ أبِيه وضِيافَتِه ومُصَاحَبتِه لابنِه ومُعَايشَتِه وممارسَةِ ولايتِه ورعَايتِه وتربتتِه لابنِه ، لم تَمنَعه مِن تَفقِدِ أبيه لحَالِ ابنِه وتوجِيهِه ، حَتى أن الابن أطاع أباه حتى بَعدَ زَواجِه !!
لم تحجِب هَاجَر المصْريةُ الأصِيلَةُ الأبَّ عَن رؤيَةِ ابنِه وفَلذَة كَبدِه ، ولم تَختَلق الأعْذَارَ لمنْعِه مِن رُؤيَةِ ابنِه أو مُعَانَقتِه وضمِّه إلى صدْرِه ، ولم تَتَعمّد السّفرَ أو تُغَيِّر مَوضِعَ السُّكنى حَتّى لَا يَرَى الأبُّ أبَاه ، أو تَحرِمَه مِن ضَنَاه !!
لم تبع دِينَهَا ولا ضَميرَها لِكَى تَكونَ أحَدَ مَعَاولِ هَدمِ بَيتِ الزَوجِيةِ نُواة مُجتَمَعِهَا ، ولا تفكيك الأسْرَة عامود خيمة بَلدِهَا ، فضْلَاً عَنْ أنْ تَتقَاضَى تَمويلَاتٍ في إطَارِ أجندَةٍ أجنبيةٍ معاديةٍ في مُقَابِلِ تَحقِيقِ ذَلكَ أو وضعِ تسَهيلاتٍ حُدُوثه !!
===============================
هل ترك إبراهيم زوجته وابنه في هذا الوادى طول الوقت ؟
--------------------------------------------------------------------
لم يترك إبراهيمُ عليْه السّلامُ هَاجَرَ وليدَهَا طُولَ الوَقتِ ، فإنّه كانَ يَحُجُّ كلَّ عَامَ ، ويزورُ إسمَاعِيلَ وأمَّه فِيمَا بَينَ ذَلِك ، لما حدَّث به عَبَّادُ بْنُ إسْحَاقَ، عَن مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ اللهِ بْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ، قَالَ : "كَانَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ يَزُورُ إِسْمَاعِيلَ عَلَى الْبُرَاقِ ، وهَيَ دَابُّةُ جِبرِيلَ، تَضَعُ حَافِرَهَا حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، وهِيَ الدَّابَّةُ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ " رواه أبو العباس محمد بن إسحاق السراج الثقفي في حديث السراج (3/ 229) ، والمخلدى فى الفوائد المنتخبة من أصول مسموعاته المخلدي - الظاهرية =محقق (389) (ص : 345) ، وابن طولون في تفسير (إن إبراهيم كان أمة ) (ص : 66) ، وابن عساكر في تاريخ دمشق (6/ 239) ، وحسن إسناده محقق جوامع الكلم لحديث السراج برواية الشحامي (ص : 2134) ، وصححه موقوفا د عامر الحسينى في الكامل في السنن (ص : 56) ، وقال : موقوف له حكم الرفع .
قال الحافظ ابن حجر : رَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ نَحْوَهُ، و" أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَزُورُ إِسْمَاعِيلَ وأُمَّهُ عَلَى الْبُرَاقِ " فَعَلَى هَذَا ، فَقَوله : " فجَاء إِبْرَاهِيم بعد مَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ " أَيْ بَعْدَ مَجِيئِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِرَارًا . فتح الباري (6/ 404) .
فماذا كان حال هاجر المصرية الأصيلة وابنها بعد ترك زوجها لها ؟
====================================
تقول الرواية : جَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ المَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ، عَطِشَتْ وعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى، أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا.
فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ المَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الوَادِيَ.
ثُمَّ أَتَتِ المَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا، ونَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا.
فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ صَهٍ - تُرِيدُ نَفْسَهَا - ، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ : قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ.
فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ، أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ، حَتَّى ظَهَرَ المَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ المَاءِ فِي سِقَائِهَا وهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ - أَوْ قَالَ : لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ -، لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا.
قَالَ : فَشَرِبَتْ وأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا المَلَكُ : لاَ تَخَافُوا الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ، يَبْنِيه هَذَا الغُلاَمُ وأَبُوهُ، وإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَهْلَهُ.
وكَانَ البَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وشِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذَلِكَ، حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ، أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ، مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ { جبل بِمَكَّة}، فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا{ يتَرَدَّد ويَحُوم حول الماء}، فَقَالُوا : إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بِهَذَا الوَادِي ومَا فِيهِ مَاءٌ.
فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا {أي رَسُولا}أَوْ جَرِيَّيْنِ، فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ، فَأَقْبَلُوا.
قَالَ : وأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ المَاءِ، فَقَالُوا : أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟
فَقَالَتْ : نَعَمْ، ولَكِنْ لاَ حَقَّ لَكُمْ فِي المَاءِ.
قَالُوا : نَعَمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وهِيَ تُحِبُّ الإِنْسَ.
فَنَزَلُوا، وأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ، فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وشَبَّ الغُلاَمُ، وتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وأَنْفَسَهُمْ، وأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ " .
*** والمستفَادُ مِن ذِلِك ، أنَّه قدْ وَقَعَ كمَا استَقَرَّ في يَقينِ هَاجَر المصْريةِ الأصيلَةِ بمجيء الغوثِ والأُنسِ والفرَجِ من الله، وترَسّخَ في اعتقَادِها بأنّ اللهَ لَن يُضيِّعَها ووليدَها ، طَالمَا أطَاعَتْ رَبهَا ، ولم تَعصى زَوجَها ، ولم تجْحد عِشْرَتَه !!
===================================
المشهد الثانى من القصة : بر إسماعيل بأبيه وطاعته له ومعاونته في بناء البيت بعد موت هاجر عليها السلام :
==================================
أولا : بر إسماعيل بأبيه وطاعته له في تطليق زوجته الأولى التي تفشى سر بيتها وتكثر شكاية زوجها، نتيجة تربية هاجر قبل مماتها :
--------------------------------------------------------------------
ثم تذكر الرواية : " ومَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ{أَي يَتَفَقَّد حَالَ مَنْ تَرَكَهُ هُناكَ } ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ.
فَقَالَتْ : خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وهَيْئَتِهِمْ.
فَقَالَتْ : نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ.
قَالَ : فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ، فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ، وقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ.
فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ : هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ ؟
قَالَتْ : نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ، فَأَخْبَرْتُهُ، وسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وشِدَّةٍ.
قَالَ : فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟
قَالَتْ : نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، ويَقُولُ غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ.
قَالَ : ذَاكِ أَبِي، وقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الحَقِي بِأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ.
ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَسَأَلَهَا عَنْهُ.
فَقَالَتْ : خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا.
قَالَ : كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وهَيْئَتِهِمْ.
فَقَالَتْ : نَحْنُ بِخَيْرٍ وسَعَةٍ، وأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ.
فَقَالَ : مَا طَعَامُكُمْ؟
قَالَتِ اللَّحْمُ.
قَالَ : فَمَا شَرَابُكُمْ؟
قَالَتِ : المَاءُ.
قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ والمَاءِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، ولَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ. قَالَ : فَهُمَا لاَ يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ.
قَالَ : فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ، ومُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ.
فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ ، قَالَ : هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟
قَالَتْ : نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ، وأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ. قَالَ : فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ.
قَالَتْ : نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، ويَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ.
قَالَ : ذَاكِ أَبِي، وأَنْتِ العَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ " .
*** والمستفَادُ مِن ذِلِك ، أنَّ أحْوالَ المعيشةِ بالبَيتِ سَعةً َكانَت أو شِدَةً وضِيقَاً ، ِسر مِن أسْرَارِ البَيتِ والأسْرَةِ ، لا يَنبغى للزَوجَةِ أنْ تَتَبرمَ مِن ذَلِك وتَشتَكى مِن حَالِ عَيشِهَا وأولادِهَا مَعَ زَوجَهَا وأبِيهِم أو حتى في غيَابِه ، ولا يَنبغي أن تُفشِى هذَه الأسْرارَ وغَيرَها لأحَدٍ كَائنَاً مَنْ كَان !!
لم يمنع أحد الابنُ مِن تَطليقِ زَوجتِه لكَونهَا لا تَصلُحُ للعِشرَة ، وكونِها غَير أمِينَة عَلَى الأسْرَةِ ، ولم يأخُذ إذْنَا مِن أحدٍ لِكى يُطلِّق ويتزوّجَّ بأخْرَى تَصونُ العِشرَةَ ، وتحافِظُ علَى بيتَ الزوجِيةِ !!
==================================
ثانيا : معاونة إسماعيل لأبيه وطاعته له في بناء الكعبة المشرفة قوام الأمة والحضارة ، نتيجة تربية هاجر قبل مماتها :
-----------------------------------------------------------
ثم تذكر الرواية : ثُمَّ لَبِثَ { يعنى إبراهيم عليه السلام } عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ والوَلَدُ بِالوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ : يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ.
قَالَ : فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ.
قَالَ : وتُعِينُنِي؟
قَالَ : وأُعِينُكَ.
قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا، وأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا.
قَال َ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالحِجَارَةِ وإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ البِنَاءُ، جَاءَ بِهَذَا الحَجَرِ، فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقَامَ عَلَيْهِ، وهُوَ يَبْنِي، وإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وهُمَا يَقُولاَنِ : (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ) [البقرة : 127].
قَالَ : فَجَعَلاَ يَبْنِيَانِ، حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ البَيْتِ وهُمَا يَقُولاَنِ : (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ) [البقرة : 127] " رواه البخارى فى صحيحه .
*** والمستفَادُ مِن ذِلِك ، أنَّ هَاجَرَ الأمَّ المصْريةِ الأصيلَةِ ، أعَدَّت ابنَهَا الّذى لم يَهنَأ بالمقَامِ معَ أبيهِ وأمِّه خَيرَ إعْدَادٍ ، وهَيّأتَه ليسَ فقط لتحمّلِ المسئولية ، ولكِن لحملِ أمانَة النبوَّة، بأنْ يَكونَ أسَاسَا رَجُلَاً برَّاً بأبِيه وأمِّه ، وصُولَا وفِيّا ، خَلوقاً صادقَ الوعدِ ، عَطوفَا شَفوقَا رَحيمَا، مطيعَاً للهِ ، آمرا أهلَه بالصلاةِ والزَكَاةِ ، مَرضيَاً عندَ رَبِّه ، مُعينَا لأبيه عَلَى تَأسيسِ بِنيَة أعظَمِ أمَّة ، وإرسَاء دعَائمَ أعظَمِ حَضَارَةٍ عَرفَهَا التَارِيخُ ، وغَدَا مسلكها هذا أعظَمَ منسَك تُقصدُ مشَاعِرُه ، وأخلد ذكرَى تحُاكَى خُطَاهَا ، لقد صارت مِثالَاً وقُدْوَة تتَحَاكَى بَها الأجَيال وتَحتَذِى !!
جعلنا الله وإياكم من الذين يدعون للخير وبه يعملون ، ويهدون للحق وبه يعدلون !!